الأحد , 18 أبريل 2021
الرئيسية » أقلام وأراء » محطات في حياتي

محطات في حياتي

بقلم: عبدالبر علواني

في رحلة نهاية العمر،وقد وصل القطار إلى محطته الأخيرة،وجدت نفسي بعد خمسة وستين عاما،أريد أن أتوقف عند عدد من المحطات التي ساهمت في تشكيل شخصيتي.

المحطة الأولى (بدايات التكوين)
نشأت في أسرة فقيرة،لأبوين ريفيين يكدحان من أجل لقمة العيش،بصبر وأناة،يستقبلان الحياة بابتسامة ورضا رغم شظف العيش،وقسوة الحياة،وكان طعامنا الخبز الجاف،والمخللات،والماء بالسكر،وما تجده أمي من (السريس،والجلاوين،والخبيزة،والرجلة،والفول النابت)على حواف الأرض الزراعية التي لانملك منها سهما واحدا ،إذ كانت تنبت تلك النباتات على تلك الحواف،عشنا كما يعيش الناس جميعا في تلك الفترة،حيث جميع الأسر لا تمايز بينها في العيش،إنما كان التمايز في الخلق،والتربية،والقدرة على مواجهة الصعاب،وكان أبي قارئا جيدا يملك ناصية القلم،وصاحب خط جميل،رغم أنه لم يحصل إلا على الابتدائية،نشأت وترعرعت في هذا البيت على الرضا والقناعة،فلم أنظر يوما إلى ما في يد غيري،ولم أسط على حق غيري.

وفي المرحلة الإعدادية،بمدرسة قلين التابعة لمحافظة كفرالشيخ،وبالتحديد في حصة التربية الدينية،كان معلم هذه المادة يتصف بالصرامة،والتشدد،وكان معنا بالصف طلاب مسيحيون،يخرجون أثناء حصته،وكان جاري في المقعد مسيحيا، وعندما خرج الطلاب دون المعلم على السبورة هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه ) وبدأ يشرح ويفند هذا الحديث،ماذا أفعل في زميلي الذي يجاورني المقعد؟علي أن أنغص عليه حياته،وأضطره إلى مغادرة المكان،صراع شديد بدأ يدور داخلي،وبدأت أفكر في أكثر من هذا،فجارنا بيت بيت المِعَلِم(جورجي) والمعلم رياض والمعلم أمين،والمعلم ميخائيل،وفي مناسباتهم كانت جدتي تتبادل معهم التهاني،والطعام،كيف أستطيع أن أمحو جزءا من طفولتي وذكرياتي مع زملائي المسيحيين (وديع/وسامي/ومسعد/ومراد/ويونان) ؟كيف أنسى الأستاذ مكرم جورجي معلم الابتدائية؟ أحدث هذا الحديث زلزلة في حياتي،عدت إلى البيت وعقلي مملوء بالصراعات،مطأطأ الرأس شاردا مهموما،فرأى والدي شرودي وضيقي،وقرأ صفحات وجهي،وكان من محبي الحوار والنقاش،فسألني:ماذا بك؟قلت له مادار في حصة التربية الدينية،وكنت كتبت الحديث،وأطلعته عليه،فابتسم،وقال لي: النبي كان يعامل جاره اليهودي معاملة طيبة رغم إيذائه له،وجاور يهود المدينة، ودار بيننا حديث طويل في هذا الشأن،ولما كانت الحصة الثانية للتربية الدينية، كان المعلم يحدثنا عن النار وعذابها،وما ينتظر المسلم المقصر من عذاب القبر،وأهوال يوم القيامة،…وكثير من الترهيب،تحولت حصة التربية الدينية إلى كابوس،وحصة للعذاب والقهر النفسي،فخلقت في نفسي نفورا،من تلك الحصة،فكنت كلما جاء موعدها أهرب منها ،حتى صادفني المعلم في فناء المدرسة،فأمسك بي وعنفني،وأخذني إلى حجرة ناظر المدرسة،وكال لي اتهامات الهروب م حصة الدين، فسألني الناظر،لماذا تهرب من حصة الدين؟ألست مسلما؟المسيحيون فقط هم المسموح لهم بالخروج في هذه الحصة،قلت له:الأستاذ كرهني في الحصة،وفي زملائي المسيحيين وجيراني في البيت،أنا في كل حصة من الحصص أشعر أن الله خلقنا للنار، وكلما فتحت كتاب الدين لم أجد درسا واحدا مما يقوله لنا الأستاذ في الحصة.
المعلمون في مكتب الناظر واجمون واتهموني بسوء الأدب ولا بد من استدعاء ولي الأمر.

. ووصلت إلـــى البيت وأنا في شبه هذيان وأصابتني حمّى حقيقيـــة وبقيت يومـــين طريح الفراش، ثم لما أفقت كان ردّ فعلي الوحيد أنني قلت بيني وبين نفسي: لا، إن النبي والله الّذي حدثنـي عنهما المعلم لا يمكن أن يوجد ولا يمكن أن يكونا ظالمين إلى هذا الحدّ. ومن ذلك اليوم عكفت على القراءة وكانت المكتبة والكتاب رفيقاي اللذين آنس إليهما.
بعد هذا وعيت أن مهمة كبرى تنتظر مجتمعاتنا ،القضية الكبرى ليست في الدين،ولا تغير السياسة التعليمية،إنما هي تغيير على صعيد العقليات وفهمها للدين الصحيح،

شاهد أيضاً

حال الأخوة في تركيا لا يسر مرقص ولا كوهين

كتبه: محمد كامل صلاح الجماعة اللى فى تركيا حاليا ينطبق عليهم الآيه الكريمة ٠ —: …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *