على جدران المعابد ونقوش المقابر.. كيف واجه المصري القديم أعداء مصر التاريخيين؟
حفظت النقوش الأثرية والبرديات والنصوص، تحذير المصري القديم من أعداء البلاد، من خلال ما يُعرف بالأقواس التسعة، والتي تم تجسيدها كثيرًا للتحذير منهم.
ويوضح الدكتور عمر المعتز بالله أستاذ الفنون والحضارة المصرية، فى محاضرة أثرية عن تطور مفهوم العدو وتمثيل الآخر في النصوص الدينية والأدب السياسي والفن المصري، أن العدو في الحضارة المصرية القديمة لم يكن مجرد شخص يحمل السلاح في مواجهة الدولة، أو شعب يعيش خارج حدودها، ولكن كان مفهوماً دينياً وسياسياً وثقافياً ارتبط برؤية المصريين للعالم، وطبيعة السلطة الملكية وضرورة الحفاظ على النظام والاستقرار.
وقد تأسست هذه الرؤية على العلاقة بين مفهوم الــ “ماعت”، الذي جسد الحق والعدل والتوازن الكوني، وفي مقابلة مفهوم الــ “إسفت” الذي ارتبط بالفوضى والظلم والاضطراب، وهكذا اكتسبت مواجهة العدو معنى يتجاوز الانتصار العسكري، لتصبح تعبيراً عن قدرة الملك على حماية البلاد واستعادة التوازن الذي تهدده القوى المعادية.
ويضيف عمر المعتز بالله، أن العدو لم يكن فئة واحدة ثابتة فقد يكون قوة أسطورية تهدد الكون، أو متمرد ينازع الملك سلطته أو خصم عسكري خارجي، أو حتى مجرد صورة رمزية تستخدم لإظهار السيادة الملكية. ولذلك هناك أنواع مختلفة من أعداء مصر عبر العصور تتغير بتغير الظروف السياسية، بينما استمرت صورة الملك المنتصر على خصومه بوصفها أحد أكثر عناصر الفكر والفن المصري ثبات.
وعليه تجلى المفهوم الديني للعدو بوضوح في الصراع بين تجلي الإله في صورة “رع” وثعبان الفوضى “عبب” الذي يهدد الرحلة الليلية للشمس عبر العالم الآخر. فلم يكن شروق الشمس في التصور المصري أمراً مضموناً بصورة تلقائية بل هو نتيجة انتصار متجدد لقوى النظام على القوى التي تسعى إلى تعطيله
وتوضح هذه النصوص أن العدو لم يعد بالضرورة قوة تقف خارج الحدود، بل أصبح منافساً سياسياً يمارس الحكم داخل الأراضي المصرية. كما أن تبني حكام الهكسوس بعض مظاهر الثقافة الملكية المصرية يكشف عن تعقيد العلاقة بين الأصل الجغرافي والهوية السياسية. وقد انتهت هذه المرحلة بإعادة توحيد مصر في عهد الملك “أحمس” لتبدأ مرحلة جديدة اتسمت بتوسع القوة العسكرية المصرية خارج حدودها التقليدية.
وخلال الدولة الحديثة تحولت مصر إلى قوة إقليمية كبرى واتسع مفهوم العدو ليشمل القوى التي تنازعها النفوذ في بلاد الشام، وتظهر حوليات الملك “تحتمس الثالث” ولا سيما النصوص المتعلقة بمعركة “مجدو” أن العداوة أصبحت مرتبطة بالتحالفات السياسية والسيطرة على المناطق الاستراتيجية. وفي عهد الملك “رمسيس الثاني” تقدم معركة “قادش” ضد “الحيثيين” مثال واضح على الفرق بين الخطاب الملكي والواقع التاريخي. فقد صورت النقوش الملك وهو يواجه أعداءه ببسالة استثنائية بينما تكشف دراسة المعركة عن صراع معقد بين قوتين إقليميتين.
والأهم أن العلاقة بين مصر والحيثيين لم تستمر بوصفها عداوة دائمة بل تطورت لاحقاً إلى معاهدة سلام وعلاقات دبلوماسية ومصاهرات ملكية، وهكذا أصبح خصم الأمس شريكاً سياسياً مما يؤكد أن العداوة كانت علاقة تاريخية قابلة للتغير.
وفي عهد الملك “رمسيس الثالث” وثقت نقوش معبد مدينة “هابو” المواجهات مع جماعات مختلفة منها الجماعات التي تعرف حديثاً باسم “شعوب البحر”، حيث صورت النصوص الملكية الانتصار بوصفه حماية لمصر من أخطار تهدد حدودها ومصالحها.
وفي موازاة هذه التحولات السياسية، حافظ الفن المصري على مجموعة من الرموز التي اختزلت مفهوم العدو في صور متكررة، وكان أبرزها رمز “الأقواس التسعة”، الذي ارتبط بتمثيل مجموع الأعداء الخاضعين للملك. ولم يكن الرقم تسعة يشير دائماً إلى قائمة ثابتة من الأعداء أو الشعوب المعادية، إذ تغيرت الأسماء والجماعات المرتبطة بالرمز عبر العصور.
جريدة الدائرة الحمراء فى قلب الحدث
