الخميس , 6 أغسطس 2026
الرئيسية » أ _ ب إدارة » الانحطاط الإداري: تشريح السيكولوجية المشوهة لسارقي الكراسي والألقاب

الانحطاط الإداري: تشريح السيكولوجية المشوهة لسارقي الكراسي والألقاب

الانحطاط الإداري: تشريح السيكولوجية المشوهة لسارقي الكراسي والألقاب

كتب : ا.د. شيرين أبووردة
في مجتمعاتنا اليوم، نعيش في ظل مفارقة مرعبة تضرب المنطق الأخلاقي في مقتل. المعادلة الطبيعية التي تربى عليها البشر عبر العصور تقول إن الإنسان يسعى للمنصب، السلطة، أو اللقب الرفيع مدفوعاً بغريزة الطموح؛ إما لإثبات الذات، أو نيل الوجاهة الاجتماعية، أو حتى للاستمتاع بشهوة النفوذ والقيادة.

لكن ما نراه على الساحة الآن يعكس طفرة نفسية شديدة القبح، حيث تحولت الرغبة في المنصب في عقول البعض إلى غاية واحدة محددة: امتلاك أداة شرعية “للانتقام ولامتصاص دماء الناس والفساد بدم بارد”.

إن هذه السيكولوجية المشوهة لا تنحصر في قطاع بعينه، بل تفرض تلك المعادلة المقلوبة التي تختزل المنصب في “منصة لامتصاص دماء الضحايا” لا “منصة للعطاء وخدمة الوطن” ؛

فتراها في الموظف الذي يقاتل لانتزاع الإدارة بغية التحكم في مصائر مرؤوسيه وجني المكافأت والرشاوي، وتلمسها في المسؤول الذي يلهث خلف الكرسي ليفتح لنفسه مغارات التربح السريع، وتتجسد في صاحب اللقب الرفيع الذي لا يرى في مكانته السامية سوى “حصانة” تحميه وتشرعن نهبه وجشعه، وصولاً إلى فجاجة انتحال الصفة وتزوير الهوية بكاملها، كما جرى في حالة “مصطفى” الذي لم يجد حرجاً في تقمص دور القاضي لتحويل منصة العدالة إلى فخ منصوب لاستلاب أموال البسطاء.

هنا، يتحول المنصب من “مسؤولية تفرض الانجازات” إلى “غطاء استراتيجي للفساد”. هؤلاء لا ينامون ويستيقظون وهم يحلمون بالإنجاز أو بترك بصمة وتاريخ يُذكر؛ بل مبرمجون تماماً على فكرة واحدة: كيف يمكنني استغلال هذا الكرسي لابتزاز الضعفاء؟ كم ضحية يمكنني اصطيادها اليوم مستنداً على هيبة هذا اللقب؟

بوجه عام، وراء كل منصب يُستغل للفساد سيكولوجية مأزومة بعقدة النقص، أفززتها بيئة تربوية مريضة تقدس اللقب وتعتبر النزاهة ضعفاً والتحايل ذكاءً. يلجأ هذا المسخ الإداري لشراء منصبه بالرشوة؛ لإدراكه الدفين بضآلة إمكاناته وعجزه عن المنافسة الشريفة، متخذاً من الكرسي غطاءً يداري عورته المهنية. وتتعدد أساليبه للحصول على المنصب بين الرشوة المالية المباشرة، والخدمات الشخصية، والمصالح المتبادلة كالمجاملات وتسيير المعاملات؛ مما يدمر تكافؤ الفرص ويُهدر الكفاءة.

ولأن الرعب من الانكشاف يسكنه، فإن وجود أي كفاءة حقيقية بجواره يمثل تهديداً وجودياً يفضح زيفه، فيتحول إلى مهندس مؤامرات يحيك الدسائس لإزاحة وتصفية من هم أفضل منه علماً واستحقاقاً، ليخلو المشهد تماماً لقزامته، فلا يرتفع صوت فوق جهله، ولا تظهر يد أنظف من يده الملوثة.

إن التهافت المسعور على الفساد المغطى بالمناصب اليوم هو عَرَض لمرض بنيوي، يغذيه مجموعة من الحرافيش يعيشون بمجتمع يزن المرء ببريق لقبه ومظهره دون التفات لنظافة يده، مما شرعن وهم “الفهلوة والشطارة” ليتحول التحايل من خيانة إلى ذكاء واقتناص للفرص؛ يوازيه جوع سيكولوجي حاد للأمان، يزين للفاسد أن الكرسي درعه الحامي، فيتحول إلى ضبع ينهش كل ما تطاله يده لتأمين جشعه ونرجسيته المريضة.

لذا، فإنه يتقن ارتداء قناع الخادم الأمين، ليظهر أمام العامة بمظهر الحريص على تقديم الخدمات وقضاء الحوائج، متبنياً خطاباً كاذباً يفيض بالنزاهة والحرص على مصلحة الناس؛ بينما في كواليس الإدارة يمارس التماهي الكامل مع الفاسدين، فلا يعارض انحرافاً ولا يتصدى لمفسد، بل يمرر صفقاتهم ويغض الطرف عن خطاياهم، مما يخلق نوعاً من “الإجماع السكوتي” والرضا من جانب الكبار الذين يجدون فيه ترساً طيعاً في منظومتهم، وأداة مريحة لا تعكر صفو مصالحهم.

إن تسلّق هؤلاء العاجزين إلى سُدّة المناصب يطعن نفوس المواطنين الشرفاء في مقتل؛ مخلفاً حالة من الإحباط العميق والخذلان المرير الذي يشلّ طاقاتهم ويحول دون قدرتهم على العطاء. إنها غصة قاتلة لروح الاستحقاق، تصيب أصحاب الكفاءات الحقيقية باليأس التام ويقين العبث، حين يرون جهدهم وعلمهم يُدهس تحت أقدام المتسللين ، مما يُفقد المجتمع طليعته المخلصة ويحرم الوطن من أنقى عقوله التي آثرت الانكفاء والانسحاب بكرامتها على العيش في مستنقع الزيف.

ولكن، سرعان ما يقع هذا الفاسد في فخ “غرور القوة”، فيُعميه الوهم ويزداد شراسة ونهباً بلا رادع، ظاناً أنه بات فوق الحساب؛ فيسرف في طغيانه حتى تفيح رائحة فساده وتزكم الأنوف. ولخوفه الدفين، يتشبث بكل قوته بنفوذ الكبار الذين يحمونه، ظاناً أن مظلتهم درع مستدام، فلا يستفيق إلا والهاوية تهوي به وبمن استند إليهم معاً في سقوط مدوٍّ يجرّ الشبكة كلها إلى الحتف؛ لتسقط الأقنعة.
ويجد نفسه أمام حقيقة عارية؛ ألم يكن يعلمون، وهم غارقون في هذا الفساد وتلك المناصب الزائفة، أن للظلم نهاية مروعة؟ لا تتعجبوا أبداً، فإن أنين شخص واحد، قريب بدعوته وروحه وقلبه إلى الله، لهو الصاعقة والقشة التي تقصم ظهورهم وتهدم عروش باطلهم فوق رؤوسهم، فالكرسي لا يحمي من تجرد من أمانته، والمجتمع يلفظ في النهاية كل من اتخذ من بساطة الناس سلماً للصعود الزائف.

اللهم احمِ مصر من كيد سارقي المناصب والألقاب ، وصُن شرفاءها ومخلصيها من اليأس، وطهّر مؤسساتها لتظل أرضاً للعدل والأمان بأهلها المخلصين.

شاهد أيضاً

عـــــــــــــاجــل وحصريٌّ.. المتهمة بقتل والدتها بالإسكندرية تعترف

 عـــــــــــــاجــل وحصريٌّ المتهمة بقتل والدتها بالإسكندرية تعترف: تخلصت منها وقطعت جثتها لسوء معاملتها 🚨وكان قد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *