بقلم: أ.د. شيرين أبووردة
في الماضي، كانت أدبيات الإدارة والقيادة ترتكز على قاعدة ذهبية واحدة: “ابحث عن الأكفأ”.
كان المسؤول الحقيقي يرى في نجاح مساعديه نجاحاً لشخصه، وفي قوة فريقه تحصيناً لمؤسسته. أما اليوم، فنحن نشهد ظاهرة إدارية غريبة ومعكوسة، يتسابق فيها بعض القياديين في اختيار “الأضعف”، وكأن معيار الكفاءة قد تم إقصاؤه عمداً ليحل محله معيار “الولاء المطلق والقدرة التامة على الطاعة”.
ولا تتوقف هذه الظاهرة عند هذا الحد، بل تتشابك مع متلازمة أكثر خطورة وهي احتكار المناصب وجمع المهام المتعددة وإسنادها لشخص واحد ، حيث نرى مسؤولاً يشغل وظيفته الأصلية ويمد يده ليحتكر رئاسة لجان وعضوية مجالس وإدارة قطاعات أخرى، والأغرب أنه قد يقوم بإسناد هذه الوظائف المتعددة إلى أضعف العناصر المحيطة به، ليتحول المشهد إلى مسؤول يشغل ما لا يطيق يستعين بمن لا يفقه.
إن تكليف المساعد الضعيف بمهام متعددة هو تكتيك نرجسي مدروس لتأمين الكرسي؛ يهدف إلى صناعة تابع منقاد ينفذ الأوامر بلا نقاش، وضمان غياب أي منافس حقيقي، وتوفير شماعة جاهزة يُلقى عليها لوم الفشل عند الأزمات.
لا شك أن هذه الظاهرة تنتج مؤسسات مشلولة تماماً على أرض الواقع، لكنها “مبهرة” على الورق. تجد هيكلاً إدارياً ضخماً، واجتماعات لا تنتهي، وتكليفات متبادلة، والجميع يركض في كل اتجاه، لكن المحصلة صفر. إنها بيئة طاردة للكفاءات الحقيقية؛ فالشخص المؤهل والجاد يرفض أن يكون مجرد أداة لتغطية عجز رئيسه، ويرفض أن يوضع في قالب أكبر من حجمه دون صلاحيات حقيقية. إن احتكار الوظائف وتوزيعها على العاجزين هو تدمير ممنهج لفرص جيل كامل من الكفاءات، وتحويل للمؤسسات العامة إلى مجرد ساحات لتنفيع المقربين وترفيه القيادات الخائفة.
يكمن السر وراء هذه الظاهرة في الفارق بين إدارة المشروع الخاص والمقعد العام؛ فبينما يقاتل المسؤول في شركته الخاصة المملوكة له، لتعيين الأكفأ تجنباً للخسارة المادية،
تتحول الوظيفة الحكومية لديه إلى “عزبة” تغذي الخوف والنرجسية. ومن هنا، يرى المسؤول الضعيف في الكفاءات تهديداً لكرسيه يخشى معه كشف عيوبه، فيلجأ لتعيين من هو أضعف منه لضمان التبعية، مما ينتج بيئة طاردة تُقصي المخلصين وتُفرز “أداء الهمبكة” والاستعراض الورقي بلا إنجاز حقيقي.
إن هذا التدمير الممنهج للهياكل الإدارية يلقي بظلاله الكثيفة والمدمرة على اقتصاد البلد؛ فإقصاء الكفاءات وإسناد الملفات الحيوية للعاجزين يؤدي مباشرة إلى هدر الموارد العامة، وتعطيل المشاريع التنموية، وبطء اتخاذ القرارات الاستثمارية، مما يفقد الدولة مرونتها الاقتصادية وقدرتها على مواجهة الأزمات، ويتحول الجهاز الإداري الحكومي من محرك للتنمية إلى عبء ثقيل يستنزف ميزانية الدولة بلا عائد حقيقي يقاس بمعايير إنجاز دقيقة.
ويمتد هذا الأثر السلبي ليضرب الحالة النفسية والاجتماعية للمواطنين في مقتل، حيث يتسلل الإحباط واليأس إلى المجتمع ويغتال نفوس الشباب وأصحاب الجهد والاجتهاد والكفاءات عندما يرون النفاق يرفع الضعفاء بينما يتم إقصاء المخلصين والمبدعين، وهذا الشعور بالظلم يضعف الانتماء ويزعزع الثقة في المنظومة المؤسسية، مما يهدد الأمن والسلام الاجتماعي الداخلي، فالعدالة الإدارية وتكافؤ الفرص هما الركيزة الأساسية لاستقرار أي مجتمع، وغيابهما يفتح الباب لتآكل الجبهة الداخلية وانتشار السلبية واليأس والاحباط داخل المجتمعات.
إن هذا الخلل لن ينتهي بالوعظ، بل يتطلب مخرجاً تشريعياً حاسماً يربط بقاء المسؤول علي كرسيه بنجاح فريقه، ويستبدل الشكليات في الانجاز بمعايير قياس الأداء الفعلي (KPIs) المعتمدة على الأرقام والنتائج.
إن إلزام القيادات ولجان الاختيار بتقديم مبررات كمية علمية لترشيح مساعديهم، سيجعل المسؤول يدرك أن اختيار العناصر الضعيفة سيكلفه منصبه ويقوده للمساءلة، وبذلك ينتهي زمن الوجاهة الزائفة ويعود الفن الحقيقي لاختيار المساعدين الأقوياء الذين يرفعون شأن الدولة.
.
“اللَّهُمَّ بَلَّغْتُ.. اللَّهُمَّ فَاشْهَدْ.. اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي صَوْتَ الْحَقِّ الَّذِي يَرُدُّ لِوَطَنِي جُزْءًا مِنْ نِعَمِهِ وَخَيْرَاتِهِ عَلَيَّ وَعَلَى ذُرِّيَّتِي وَأَهْل بَيْتِي”
“اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَ بِوَطَنِنَا خَيْرًا فَوَفِّقْهُ لِكُلِّ خَيْرٍ، وَمَنْ أَرَادَ بِهِ سُوءًا فَاجْعَلْ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ.”
جريدة الدائرة الحمراء فى قلب الحدث

