بقلم: هانى الصنفاوى
” ثقة الجهل “
حين يبتسم الخطر في وجه البراءة.
🔴 ليست كل سكينةٍ دليلَ طمأنينة، ولا كل ثباتٍ علامةَ
شجاعة.
🔴 أحيانًا، ما يبدو هدوءًا هو مجرد غفلةٍ تتزيّن باليقين.
🔴 ظهر على بعض مواقع التواصل الإجتماعي صورة
لسيدةٌ مسنّة تُطعم أسدًا جبليًا، وتبتسم كأنها تُداعب قطةً أليفة…
🔴 لم يكن في قلبها خوف، لا لأنها أقوى من الخطر،
بل لأنها لم ترَ الخطر أصلًا.
ظنّت أنها تعرف… فاطمأنت،
وفي اطمئنانها سكن الخطر.
🔴 هنا تتجلى المفارقة الإنسانية:
أن الجهل قد يمنح صاحبه ثقةً لا تهتز،
ثقة تشبه نورًا خافتًا… يضيء الطريق، لكنه لا يكشف
الحفرة.
🔴 المعرفة، على قسوتها، تُعلّمنا التردد،
تزرع فينا أسئلةً تُربك يقيننا،
وتجعلنا نرى ما قد نخسره قبل أن نخطو.
أما الجهل… فيمضي بصاحبه مطمئنًا،
كمن يسير فوق حافة الهاوية وهو يظنها طريقًا
مستقيمًا.
🔴 والأشد ألمًا…
حين لا تبقى “ثقة الجهل” حكاية فردية عابرة،
بل تتحول إلى قرار، إلى منصب، إلى مصير جماعي.
عندها لا يسقط الجاهل وحده…
بل يأخذ معه كل من وثقوا في صوته الواثق.
🔴 والأشد قسوة…
حين تتحول الطمأنينة الزائفة إلى بوصلة،
فتقود الخطى بثقةٍ لا تعرف الشك،
لكنها أيضًا لا تعرف الطريق.
هناك، يصبح الصوت الأعلى ليس هو الأعلم…
بل هو الأكثر يقينًا في وهمه،
فتختلط الطمأنينة بالحقيقة،
ويُستبدل التفكير بالتسليم.
🔴 والخطر الحقيقي…
ليس في خطأٍ يُدرك صاحبه أنه قد يخطئ،
بل في يقينٍ أعمى لا يرى في نفسه موضعًا للمراجعة.
فالعاقل يتوقف ليتأمل،
أما الجاهل الواثق… فيمضي دون أن يلتفت.
🔴 ولعلنا نرى “ثقة الجهل” حولنا كل يوم:
في من يُصلح ما لا يفهمه فيُفسده بثقة،
وفي من يُشخّص نفسه طبيبًا بلا علم،
وفي طالبٍ لم يستعد، لكنه يدخل الامتحان بيقين
النجاح،
وفي سائقٍ يغامر لأنه “واثق من نفسه”،
وفي موظفٍ يرفض النصيحة لأنه لا يرى إلا صوته،
وفي نقاشٍ يحتدّ لا لأن الحقيقة غائبة… بل لأن الوهم
حاضر بقوة.
🔴 وهكذا لا تكون الكارثة صاخبة دائمًا،
بل قد تأتي هادئة… واثقة… ومطمئنة،
حتى إذا اكتملت… أدرك الجميع متأخرين
أنهم كانوا يسيرون خلف ظنٍ ظنّوه علمًا.
🔴 فعند اختيار بعض محدودي الفهم للمناصب القيادية لا
يكون دائمًا خطأ عابرًا… بل خللًا في طريقة التقييم
نفسها.
حين تُقدَّم الثقة الظاهرة على الفهم الحقيقي، يصبح
الصوت المرتفع دليل كفاءة، ويُفسَّر التواضع المعرفي
على أنه ضعف.
🔴 جوهر المشكلة أن “ثقة الجهل” تُجيد العرض:
كلام حاسم، ووعود سريعة، وإجابات جاهزة لكل
سؤال… حتى لما لا يُفهم.
🔴 بينما صاحب المعرفة الحقيقية يتأنّى، يطرح احتمالات،
ويعترف بحدود ما يعرف—فيُظلم أمام من يجزم بلا
علم.
🔴 النتيجة؟
قرارات متسرّعة، إنكار للأخطاء، وبيئة تُقصي النقد.
القائد الواثق بجهله لا يراجع نفسه، فيحوّل الخطأ إلى
مسار، والمجازفة إلى سياسة، ثم يدفع الفريق كله
الثمن.
🔴 في النهاية…
ليست المشكلة أن نجهل،
بل أن نجهل… ونظن أننا نعلم.
جريدة الدائرة الحمراء فى قلب الحدث

