هناك حكومات تُخطئ، ثم تُراجع نفسها، وأخرى تُكابر وتُعَاند، فتعتبر أن المشكلة ليست في السياسات، بل في الناس أنفسهم، وفي قدرتهم على الفهم، أو عدم «رؤيتهم» للصورة الكاملة»!
لذلك، عندما يصبح المواطن المصري عاجزًا عن «رؤية» أي تحسُّنٍ حقيقي على حياته المعيشية، فالمشكلة بالتأكيد ليست في «عينيه»، بل في «الغربال» الذي تُحاول الحكومة إقناعه بأنها «ترى» ما لا «يراه»!
يقينًا، الحكومة التي تملك ثقة شعبها، لا تحتاج إلى عناء التبرير، ولا هذا الكم الكبير من «البروباجندا» والوعود والتفسيرات، فالثقة لا تُفرض بالدعاية أو تُصنع بالشعارات، بل تُبنى بنتائج ملموسة على أرض الواقع، وفي تفاصيل حياة الناس اليومية.
تلك التفاصيل ترتكز على ثمن رغيف العيش، وقيمة المرتبات، وجودة العلاج، وتوفر الأدوية، وتعليم حقيقي… وبالطبع القُدرة على مواجهة أعباء الحياة، دون الخوف من «بكرا»، أما حين يصبح المواطن محاصَرًا بالديون والغلاء والضغط النفسي، ثم يُطلب منه أن يُصَدِّق بأننا الآن نَجْني «ثمار التنمية» فهنا تتحول الفجوة بين الحكومة والشعب إلى مستوى كارثي!
إن الشعب يتساءل بوضوح: هل تملك الحكومة أدنى شك ـ ولو واحد في المليون ـ أنها قد تكون تسير في الاتجاه الخطأ، وهل خطر ببالها أن كل هذا الغضب والإحباط واليأس، ليس مجرد «حالة مؤقتة»، بل نتيجة طبيعية لمسارٍ ثبت عجزه وفشله؟!
بالطبع، أي إدارة ناجحة ـ سياسية أو اقتصادية ـ تُقاس أولًا بأحوال الناس، لا بحجم البيانات الرسمية أو بعدد المشروعات، وبالتالي لا قيمة لكلامٍ عن «التنمية» إذا كان المواطن يشعر بالوجع، ولا معنى لـ«الإصلاح» إذا كانت النتيجة أن الطبقة المتوسطة تتآكل… الفقير يزداد فقرًا، والقُدرة على الاحتمال نفسها تنهار!
ببساطة، «التنمية الحقيقية» لا تعني بناء الحجر بينما البشر يختنقون، ولا تعني مُدنًا فارهة، لا يستطيع أغلب الناس دخولها، ولا طُرقًا واسعة تؤدي إلى جيوب أضيق وحياة أكثر قسوة، بل عقدُ ثقةٍ مع الشعب، أساسه أن يشعر بتحسُّن حياته، لا أن يُطلب منه التضحية بلا نهاية!
لعل الأخطر من الأزمة الاقتصادية نفسها، هو ذلك الإصرار العجيب على إنكار أثرها النفسي والاجتماعي… شعب ـ في غالبيته ـ يعيش حالة إنهاك، موظف لا يكفيه راتبه، أو شاب فقد الأمل في تكوين حياة مستقرة، أو أب يخجل من عجزه أمام احتياجات بيته، أو أم تحسب الأسعار قبل أن تحسب أحلام أولادها، ثم يخرج من يُحدثنا عن «الصبر»، وكأن الناس لم تُسْتَنْزَف أعمارها كلها في الصبر!
نتصور أن الحكومة التي تستمع فقط إلى نفسها، تُصاب تدريجيًّا بـ«العمى السياسي»، وحين تُغلق نوافذ الأمل، يصبح الخطأ قدرًا محتومًا، فلا توجد سُلطة معصومة، ولا خطة اقتصادية مقدسة، ولذلك فإن أكثر الدول نجاحًا هي التي تُراجع نفسها باستمرار، وتملك شجاعة الاعتراف بالفشل قبل أن يتفاقم ويتحول إلى كارثة متغلغلة، أما الإصرار على أن «كل شيء تمام، ويسير وفق الخطة» ـ رغم أن الواقع يُخالف ذلك ـ فهو أخطر أنواع الانفصال عن الناس، لأن المواطن البسيط قد يتحمل الضيق، لكنه لا يحتمل أن يُقال له إن معاناته مجرد وهم، أو أن ما «يراه» بعينيه ليس حقيقيًا، وبالتالي لا يحتاج إلى من يُقنعه بأنه «على خير ما يرام»!
إن فلسفة وجود أي حكومة في العالم ليست أن تُرهق شعبها باسم الإنجاز، بل أن تعمل على خدمته، وهذه هي القاعدة البسيطة التي يبدو أننا ابتعدنا عنها كثيرًا، فالحكومة لا تُدير مشروعًا خاصًا، والحُكم ليس اختبارًا لصبر الناس، وإذا كانت النتيجة بعد كل تلك السنوات أن الشعب فقد الثقة والصبر، فيجب التحلي بالشجاعة والاعتراف بالإخفاق والفشل.
أخيرًا.. إن أخطر ما قد تصل إليه أي دولة، ليس الفقر وحده، بل اعتياد الناس على الإحباط، الذي يجعل اليأس أسلوب حياة، وحينها لن يكون السؤال: «إللي ما يشوفش من الغربال»، بل ماذا تبقَّى أصلًا ليراه الناس، بعدما أصبح الواقع نفسه مثقوبًا بكل هذا العجز والإنكار؟!
شاهد أيضاً
ماكيانات الصرافة الفارغة…وتصريحات الإتربي “٩ مليار سحبهم المصريون في يومين”!
بقلم: أ. د رضا عبدالسلام ماكيانات الصرافة الفارغة…وتصريحات الإتربي “٩ مليار سحبهم المصريون في يومين”! …
جريدة الدائرة الحمراء فى قلب الحدث
